” أريكتي الصفراء ”  تعرف كل شيء !

أؤمن دائماً أن الاشياء تختارنا وفقاً لما ينقصنا وفقاً لما نتطلع إليه من الشعور بالأمان والانتماء حتى لو كانت تلك الأشياء مجرد جمادات فقبل عدة شهور كنت منهمكة في البحث عن  أريكة مناسبة لغرفتي أردت كنبة من طراز بسيط و ذات لون مميز يخالف ذوقي المعتاد بين الألوان الغامقة الأسود ، الرمادي ، الزيتي  كنت ابحث عن مكان يحتملني يحتمل جلوسي المطول لمشاهدة التلفاز ، و قراءة  الكتب ، والكتابة على اللاب توب أردت  أريكة تصبح أهم الأمكنة التي يمكن اللجوء إليها لساعات طويلة دون تذمر أو شتم لعلها تفعل ذلك بصمت لكنها لن تشعرني بذلك.

فبعد البحث لعدة أيام في عدة  مواقع متخصصة في بيع الأثاث المنزلي وقعت في غرام تلك الكنبة الصفراء ذات القواعد القصيرة الخشبية وقماشها الصوفي الخفيف فمازلت  أتذكر لحظة استقبالها من المندوب تفاجأت  في بداية الأمر من حجمها الكبير قليلاً  لكنني قمت بالاحتفاء بها وسحبها  الى غرفتي للبدء في تفكيها وتركيب قواعدها بدت بالنسبة لي  تجربة جديدة كلياً أن اجلب ” المفك ” واقوم بتثبيت المسامير بشغف وعناية اعتقدت في تلك اللحظة أن مالك شركة أمازون رجل عبقري للغاية يفهم قلة حيلة زبائنه المزاجيين أمثالي الذين يفتقرون  إلى صفة الصبر والاصرار انتهيت من تثبيت الأرجل  في غضون خمسة عشر دقيقة على الاكثر وشعرت بأنني فتاة مستقلة تماماً قادرة على فعل كل شيء بمفردي.

بعد ذلك قررت أن يكون مكانها الأبدي في وسط الغرفة فوق المفرش البوهيمي ذو الألوان البديعة  المفضل لدي كانت لحظة فاتنة وانا اشاهد انعكاس لونها الأصفر الأقرب إلى  لون فاكهة المانجو الطازجة بواسطة شمس الظهيرة المنبعثة من النافذة و ليكتمل جمال تلك الاريكة الملكية وجدت وسادة مربعة بألوان الطيف يتوسطها تطريز بالخيوط السوداء وضعتها عليها وبدت اجمل أريكة على الإطلاق كنت في حالة من الـ alegre أي المرح الغير مبرر كما يطلق عليه الإسبان شعور غامر بالنشوة  فلم أكن  قد خططت مسبقاً لخلق هذا الجمال فكل ما حدث هو انسيابية  في تناسق الالوان والاشياء  التي تشبهني أردت أن انعم بمحيط من الجمادات الاكثر الفة وراحة وها انا اجذب كل الاشياء التي أردتها ، فمنذ تلك اللحظة لم تكن مجرد أريكة بل اصبحت اهم الاشياء التى استعيد بها اتزان يومي أصبحت مكاني المفضل لاحتساء القهوة ، وتصفح هاتفي ، المكان الأجمل لكتابة التدوينات ، واحتياجات المنزل الصمت ، والبكاء ، والصراخ أصبحت تلك الاريكة تعرف كل شيء وتحتفظ بكل شيء.

لذا على الناس أن يتمهلوا عند اقتناء أرائكهم الخاصة فهي لن تصبح مجرد مكان للجلوس المؤقت أو شيء لتزين شكل غرفة النوم  او غرفة المعيشة أنها الأمان والملاذ عند نهاية يوم طويل وحافل ستصبح عالم يخص المرء وحده أو برفقة صديق يشبه تلك البقعة من عالمنا الصغير.

بشرلم تلوثهم الحياة المدنية!

الغالبية العظمى يعيشون حياة ملوثه متلونة داخل مجتمعات مدنية متغطرسة تسابق الزمن بهدف العيش في قمم الحياة المترفة الكثير منا يحلم بالعيش في قصور شاسعة مطلة على مياه البحار الساحرة ، والبعض الآخر يحلم بالعيش في أحد شقق سكنية فاخرة في قلب ناطحات السحاب كمباني battery park city في منهاتن ،العيش في أكثر الامكنة تحضراً هذا ما يشغلنا كحاجة بشرية مستمرة للشعور بالسعادة والرفاهية التى تليق بشكل الحياة في عقولهم او التى تشبه تلك الحياة التى يصورها لنا البعض انها الصورة الحقيقة للحياة الكاملة.

قد تبدو لنا تلك المشاهد غير واضحة او غير قابلة للتصديق ان يعيش فئة كبيرة من البشر داخل منظومة حياة قديمة في ظل هذا التطور العمراني والحضاري المهول لكن الحقيقة النابعة من تجربتي الخاصة تستحق الكتابة عنها ولو بشكل متواضع اثناء انتدابي الى مدينة الرياض العاصمة الحافلة بكل ماهو جديد وعصري تعرفت على نساء شابات في عمري يعملون بجد وبذكاء عالي يرتدون ملابس متحضرة أثناء العمل لكنهم يشتاقون للعودة الى ممارسة اعمالهم التقليدية رعي الغنم مع اباءهم ، والاهتمام بالابل يشتاقون إلى حياتهم البسيطة ولقاء الاقارب والاصدقاء في بيوتهم الطينية العتيقة كانت تلك العبارات التي تعبر عن الاشتياق صدمة حضارية بالنسبة لشابة مثلي لم تعرف في حياتها سواء الحياة المدنية ، عشت في القرية مدة قصيرة لكني لم أشهد ذلك الطابع البدوي التقليدي كما يجب لم اقم يوماً بحلب بقرة ولم استيقظ لاطعام الاغنام او الحصاد والزرع .

لكن ماذا عن أبناء القرى البعيدة ؟ الذين اختاروا البقاء في أرضهم بعيداً عن ضوضاء المدينة ، وحياة المنافسة الحضارية والاجتماعية ماذا عن النساء الذين ما زالوا يرتدون الثياب البدوية المطرزة ، والشيلة ذات الملمس القطني وايديهم المصبوغة بحنا القبضة ؟ ، ماذا عن الرجال الذين مازالوا متمسكين بعادات نهارية صحية يستيقظون في الخامسة صباحاً يزرعون أرضهم ويهتمون بأغنامهم وجمالهم كما يهتمون بأولادهم يذبحون الذبيحة لضيوفهم بأيديهم بعيداً عن عبودية المسالخ والازدحام ، يعرفون تاريخ صالحية اكلهم وشربهم بما شرعت لهم المعرفة المتوارثة من اجدادهم ؟!

” بنت حائل النقية “

لم أنسى تمتمات بنت حائل اثناء اندماجها في عملها فهي مصممة وكاتبة محتوى ذات عقل منفتح وخلاق للغاية، تقول بنبرتها الحائلية الأصيلة ” ياشوق قلبي لناقة أبوي ” لم انتبه في بداية الامر إلى كونها تشتاق إلى ناقة وليس لاحد من افراد عائلتها سألتها بدافع الفضول ماذا قلتِ ناقة ؟ قالت نعم نعتبرها بمثابة أهم فرد من أفراد العائلة من سنوات فهي الاجمل والاغلى ، انتهى الحوار وعدنا لممارسة أعمالنا والعديد من التساؤلات تسكن راسي عدت للبيت في نهاية اليوم وهناك رغبة ملحة في اخبار احدى صديقاتي عما أشعر من دهشة تجاه حنين البشر إلى مكانهم الأول بعبارات تستحق التأمل والإعجاب كما تقولها أولئك الشابات القادمات من مسقط رأسهم .

بنت حفر الباطن

” المقناص اجمل من وينتر لاند

بنت نجران

” يمكن أنت تشوفينها مدينة نائية لا يعترف بها العالم لكنها اجمل المدن في عيني ” يالله كانت عبارة شاعرية للغاية رغم بساطتها فهل يعرف العالم ما معنى أن يمتلك الانسان خصلة الوفاء إلى مسقط رأسه رغم توفر كل اغراءات الحياة امامه ، ما معنى أن يتحلى الإنسان بطابعه البدوي الاصيل بالرغم من تطوره العقلي والعملي أنه أصدق انواع النبل والاصالة من وجهة نظري كما قال غاستون باكلارد ” ليس هناك في الحياة اليومية مكان أكثر ألفة والتصاقًا بالمعاني الإنسانية للمرء من المنزل، أنه أحد أعظم قوى تكامل أفكار الإنسان وذكرياته وأحلامه ، حيث يسجل الدماغ أقوى الذكريات للإنسان مع المكان حينما يوجد أكثر من عنصر مرتبطان بالشخصية، فإذا حصل للمرء حدث معين ورافقه تأثير نفسي بارز، فإن الذاكرة تستعيد الحدث مربوطًا على الدوام بالمكان نفسه مهما طال الزمن.

” لمَاذا نحبُّ البَقاءَ في الرِّيف؟ “

“إن لدى الفلاحين ذاكرةً تتصف ببساطة الوفاء وأصالته وانعدام الوهن فيه. فمنذ مدة قصيرة توفيت فلاحة عجوز “في الأعلى”. وغالبًا ما كانت تثرثر بشكل طوعي معي، فكانت الحكايات العتيقة للقرية تبرز في هذه المناسبات. وكانت تلك العجوز تختزن، في لغتها القادرة على التعبير والملأى بالصور، كثيرًا من الكلمات القديمة والأقوال المأثورة؛ وهي كلمات وأقوال لم يعد الشباب في القرية يفهمونها اليوم، وقد خسرتْها اللغةُ الحية.

السفر ملاذ الحالميين !

” إنه السفر .. يتركك صامتاً، ثم يحوِّلك إلى قصّاص ”   

للمدن تأثيرها الساحر على روح  الشعراء والفنانين والكُتاب أنها  ملاذ الحالمين وسيدة خيالنا الموحش بالرغم من كل تلك المشاهد العبثية التى يجسدها ازدحام البشر في مطارات العالم ، وكل تلك الصور التقليدية التى يشكلها البعض عن السفر والمدن إلا أن للسفر بعد شاعري وفلسفي أكثر رقة وعمق يكفي ان تقوم بجولة من الأحاديث بين أصدقائك ومعارفك المحبين للسفر و ستغرق معهم في حكايات ألف ليلة وليلة ، ومن هذا المنطلق قمت بإرسال عشرة رسائل صوتية الى اصدقائي المغرمين بالسفر تحتوي على سؤال واحد ( ماذا يعني لك السفر ؟!  ) مع وضع ملاحظة:  أن يتحدثوا على سجيتهم كما لو كانوا يكتبون مشاعرهم الخاصة تجاه أحب الأشياء إليهم. كانت فكرة لحظية لم أتوقع أن أحصل من خلالها على أحاديث مشوقة ورائعة إلى هذا الحد  فبعد عدة ساعات تدفقت الإجابات في مقاطع صوتية تجاوز بعضها النصف ساعة كانت أمسية من التمجيد والتأمل والتمنى والحلم لم تكن تلك التجربة مجرد حوار عابر بل استكشاف جديد تجاه  ما يحمله اصدقائي من قدرات لغوية ، وثقافية واسعة  ، وخيال مثير تجاه وصف حالة الاستعداد للسفر إلى المدن الجميلة التى قاموا بزيارتها مسبقاً  أو تلك المدن التى تشبههم ويحلمون في العيش فيها أو زيارتها ذات يوم .

” الإنسان يشبه مايحب “

عندما يغرم البشر بمدينة ما سيصبحون شعراء مفتونين قادرين على وصف مدنهم المفضلة بأكثر العبارات جمالاً مثلما كان الاستماع  إلى حديث  صديقتي غادة التى تعشق مدينة  نيويورك الامريكية  فتلك المدينة العمالقة المتنوعة تعني لها روح البشرية جمعاء تقول إنها تعشق كل مافي تلك المدينة من ابنية شاهقة تتصف بالجمال المعماري المدهش ، وتعشق رؤية التايمز سكوير الحافل بالبشر والشاشات الملونة ، وتناثر الفنون في ارجاء شوارعها ، تسحرها قطارات الأنفاق المتسارعة وركض الف البشر من اعراق مختلفة تقول في نيويورك يصبح للعين مصدر إلهام وللعقل مدارك أوسع من خلال التعامل مع تلك الثقافات المتناثرة في شوارع نيويورك ستشاهد ببساطة العرب ، وشعب المكسيك و أمريكا اللاتينية ، وأبناء العم سام ، وجميع الأعراق في بقعة واحدة سيبهرك طريقة حديثهم وملابسهم المختلفة دون أي شعور بالاختلاف وحدها مدينة نيويورك من تجسد كل ذلك الاندماج البشري في أبهى صوره وكأنها تلك اللوحات الفنية العمالقة التي تجمع شخصيات عدة في إحدى متاحفها  وحدها  نيورك التى تجسد مسرحاً  حر لكل أنواع الفنون ، ففي شوارع نيويورك من السهل جداً  أن تجد  شريكاً لرقص التانغو ، والفلامنكو ، والهيب هوب  وغيرها من الرقصات والفنون أنها المدينة الاكثر سحراً وكأنني أليس في بلاد العجائب . 

التحضير لتحقيق الحلم !

المفاجأة الأجمل  في تلك الرسالة الصوتية عندما اخبرتني صديقتي أنها قامت بشراء فستان  وحذاء أنثوي ساحر كي ترتديه لـ رقصة التانغو ، وقامت ايضاً بشراء ملابس شتوية أنيقة تليق بشتاء نيويورك الأكثر قساوة وحيوية.

 الغريب في الأمر أن صديقتي تجهل متى ستزور تلك المدينة تجهل التاريخ والوقت لكنها قامت بتجهيز كل الاشياء التى ستشعر من خلالها أنها في مدينة أحلامها فهي لا تريد  أن ترقص التانغو في إحدى مدن الأرجنتين الزاخرة بحانات التانغو بل تريد أن ترقص في شوارع نيويورك الشاسعة لاتريد الامكنة الخاصة بل الهواء الطلق ترى صديقتي أن الأشياء التى نخلقها في خيالاتنا يجب أن نحققها كما هي لا كما يجب .

اقتفاء الأثر !

أجمل الطرق هي تلك الطرق التى ترافقها روح الإلهام والشغف التى يسلكها البشر بحثاً عن متعة خاصة نابعة من اهتماماتهم  الخاصة في عالم الأدب أو الفن قبل عام شاهدت فيلم The Bridges of Madison ( جسور مقاطعة ماديسون) للممثلة الرائعة ميريل ستريب وكلينت اييستوود لم أكن يوماً من محبي المدن  الأمريكية الصاخبة فأنا من عشاق الريف ومدن التاريخ والفن القديم كمدن أمريكا اللاتينية والدول الاسكندنافية لكن تأثير ذلك الفيلم بتفاصيل مشاهده الريفية البسيطة  التي تحتوي على جسور خشبية مميزة التي تسكنها ذكريات العاشقين فرانشيسكا  و روبرت ، وحكاياتهم الحاملة جعلتني مهووسة بزيارتها ذات يوم بهدف اقتفاء أثر تصوير ذلك الفيلم الخالد في ذاكرتي إلى الأبد  أنني ارغب في تدوين أسمي أو اخذ صورة تذكارية بجانب جسر ماديسون.

لم أكن وحدي بين اصدقائي من لديه هوس اقتفاء الاثر بل أن احد اصدقائي يحلم أن يعيش بقية عمره في قلب مدينة لشبونة البرتغالية يحتسى  القهوة كل صباح في مقهى برازيليا بجانب تمثال أديب البرتغال الأشهر فرناندو بيسوا ، ويتسكع مساءاَ بجانب قطارات الليل ويستمع لموسيقى الفادو العريقة ! لم يسترسل ذلك الصديق بشكل فلسفي وادبي تجاه شغفه بل اكتفى بهذا القدر من الامنيات التى تكفي لفهم معنى السفر بالنسبة إليه إنه الشغف تجاه شخصيته الادبية الاحب بيسوا.

مُدن الاعتياد ؟!

كيف للانسان أن يصل إلى حالة الاعتياد المطلق ذلك الاعتياد الذي يكلفه متعة الاكتشاف ، والتجربة ، والاستمتاع ! لا أقصد هنا بالاعتياد تحت ظروف قاسية ، بل الاعتياد المغلف بإرادة كاملة وصارمة ومتطرفة للغاية رغم اتساع خيارات الحياة  فالذين يمتلكون روحاً شغوفة مثلي لا يطيقون العيش تحت وطأة الاعتياد ، والانتظار في ظلمة الساعات الميتة أنني شخص قادر على التأقلم مع أمواج الحياة العاتية حتى تهدأ ومن ثم الهرب إلى موانئ الدهشة ، ومتع الحياة القابلة للاكتشاف والانبهار  حتى لا يقتلني جحيم الاعتياد فما أبشع أن نعتاد وتصبح الحياة أشبه بإحكام ، و بروتوكولات صارمة مثل تلك البروتوكولات التي يضعها الملوك ، والأباطرة كحياة مقدسة لا يمكن تدنسها بالقفز فوق المألوف ولو فعلوا ذلك لشعروا بذنب عظيم يعكر صفو حياتهم.

مازلت اذكر جيداً حياة ذلك الرجل الالماني الذي اعتاد الاعتياد حتى أصبح نهج حياته يسافر إلى العديد من مدن العالم بهدف العمل ، ويعيش في ذات  الفنادق  منذ سنوات طويلة يحفظ تفاصيلها وموظفينها القدامى يأكل واجبات محددة يعرفها طاقم المطبخ ، وموظفين خدمة الغرفة باتوا يحفظونها عن ظهر قلب يشرب ذات القهوة ،و يستيقظ  في نفس الوقت ؟! للوهلة الاولى تبدو للكثير حياة منظمة مرتبة تبشر بالنجاح والاتزان ! كما بدت لي قصة عادية حينما سردتها لي  صديقتي الموظفة في إحدى مكاتب استقبال الفنادق الكبرى فكلما إلتقينا امطرتني بمواقف وحكايات لا تصدق تحدث في تلك البقعة الممتدة بين الغرف ، وبهو الفندق ، و مكتب الاستقبال فمثل هذه الوظائف ترسم  لك حياة مثيرة حافلة بالمواقف التي تستحق أن تقال أو تكتب فمن يواجه جنسيات  وثقافات مختلفة من البشر سيقع تحت وطاءة الانبهار ، والدهشة تجاه طباعهم وقلة منا من يلتقطها بشغف كي ينقلها للآخرين كم لو كانت قصص خيالية تحدث فقط في استديوهات هوليود ، يقتبسها الكتاب بروح تسكنها بصيرة عبقرية ، و حاسة سادسة تجاه أطباع البشر الجنونية ، والغرائبية ، لحد لايصدق. 

 تحكي لي صديقي بأنها منذ باشرت عملها في الفندق  قبل خمس سنوات  كان هناك نزيل ألماني  ذو ملامح صارمة ، وهندام مرتب للغاية اعتاد المجيء إلى الفندق والاقامة في ذات الغرفة وتناول ذات الطعام ، بانتظام أوقات الوجبات منذ خمس سنوات لايكل ولايمل من تجربة ذات الأكل وجبة الإفطار الصباحية عبارة عن  بيض مسلوق وصحن خضروات مكونة من الطماطم  ، والخيار ، والجزر ، وعصير البرتقال الطازج ، أما وجبة العشاء تشمل الدجاج المشوي مع رز ابيض وسلطة خضراء ، لم تذكر لي وجبة الغداء التي اعتاد تناولها خلال اجتماعاته خارج الفندق فهو يخرج من الساعة الثامنة صباحاً ويعود في الخامسة مساءً. تقول صديقتي أنه أكثر النزلاء لطفاً ، و مرونة  من حيث الطلبات ، فالجميع يعرف ماذا يريد بالضبط فلم يسمع أحداً منهم بأنه قفز فوق عادته ذات يوم  وقام بطلب طعام أو شراب خارج قائمته المعتادة ، كان رجلاً ذو طابع هادئ يرحل كالشبح منتظرين عودته إلى نفس الغرفة كل فترة فهو شخص حريص للغاية على ذكر رقم الغرفة أثناء عملية الحجز سواءً بالهاتف ، أو عن طريق الايميل لم يسئم من تفاصيل اثاث غرفته الكلاسيكية ذات الإنارة الخافتة ، واطلالتها التقليدية على الشارع العام الذي يعج بإزدحام السيارات والضوضاء.

لم تكف صديقتي الحديث عن طباع ذلك الرجل المعتاد على كل شيء كرجل ألي تمت برمجته مسبقاً في إحدى المصانع الألمانية الضخمة ، مازلت اذكر سؤالها جيداً حول ماهية مشاعره هل يشبه الرجال العاديين في الملل من زوجته أو حبيبته أم انه اعتاد على كل شيء حتى حياته الخاصة والعائلية على وجه التحديد ؟ لقد وجدنا شخصية ذلك الرجل مادة دسمة للتحليل والتسلية ، والاستغراب  فقلت لها ربما نكون نحن البشر قادرين على الاعتياد تجاه الأشياء الملموسة مثل العمل ، والطعام ، لكن علاقتنا مع الآخرين يصعب ذلك لأننا لا نملك سلطة التحكم في مشاعرنا بهذا القالب الصارم . 

تهويدة الموت ” حياة فيرونيكا المزدوجة “

بعد مشاهدة  فيلم  ‏”حياة فيرونيكا المزدوجة ” أدركت أن ماهية الحياة الحقيقية  قابلة للتأويل ، والتعاطف  أدركت أن  الحياة مكان ضيق جداً مكان مكشوف لا يخص المرء وحده !  فعندما تبكي في هذه اللحظة مختباً في عزلتك فهنالك مئات البشر من يشاركونك أسباب البكاء ربما الشعور بالوحدة ، او الأسى ، أو الفقد ، وعندما تضحك فهناك حتماً غرباء لا تعرفهم يشاركونك الضحك  لذات الموقف أو المشهد. 

أن هذا العالم أشبه بقرية صغيرة جداً يعيش سكانها بمشاعر متشابهة متوائمة جداً. في تلك القرية تكمن ماهية الحياة كي تصبح مساحة حرة قابلة للتعقيد ، وإظهارها في قالب فني ، أو سردها على شكل قصص وحكايات فنتازية ، أو قد تصبح  ذو طابع جدلي معقد في كتب الفلاسفة والمفكرين الاقل بساطة من عدسة المخرج البولندي العظيم كريستوف كيشلوفسكي الذي اسدل الستار حول حقيقة الحياة  بشكلها الشاعري الاكثر رقة على الاطلاق يصور الموت والحياة في أجواء المتعة والشغف ، والمدن الباردة والموسيقى الاوبرالية الحزينة أكثر التأثيرات واقعية في فيلم حياة فيرونيكا ، كان لـ كيشلوفسكي  القدرة الساحرة أن يدعونا  إلى التحليل ، وعلى تخيل عالم ضبابي نقي ، يشجع حواسنا و مخيلتنا على الارتقاء بالمستوى الحسي أو العاطفي إذا كنا نميل إلى ذلك روحيًا افلامه قابلة للمشاهدات المتكررة وفي كل مرة ستكتشف منظوراً جديداً لمعنى الحياة ، ستجد نفسك في احدى تلك المشاهد الصامتة ، أو المتخمة بالكلمات.

  • أنت لم تعد ذو كيان مكتمل انت ناقص الى الابد 

يبدأ الفيلم بمشاهد حميمة تصور حياة فيرونيكا الفتاة الشابة الجميلة المليئة بالحب ، والعاطفة تعيش بروح طفولية  في أنحاء محيطها المحدود منزل خالتها التي تعتقد أن الموت في مرحلة الشباب هو حليف عائلتها . في تلك اللحظة تستمع فيرونكا لخالتها بصمت وابتسامة مبهمة تردد قائلة ” أشعر بانني سعيدة ولست وحيدة في هذا العالم ” وكأنها تشعر بشعور غامض بأن هنالك شخص ما يشاركها روحياً  احلامها ولحظاتها. تمضي الأيام نحو مغامراتها وشغفها تجاه الغناء والموسيقى تتداخل مشاهد الفيلم بطابعها التقليدي علاقة عاطفية دافئة وبسيطة ، الركض صباحاً  إلى مسرح الغناء ، تصادف ذات يوم في إحدى الساحات السياحية  في مدينتها الباردة  ” أوسو ” فتاة سائحة  تركب الباص وتصور السياح والعابرين بشغف ، كان مشهد التأمل أكثر المشاهد تأثيراً النظر إلى شخص عادي بمشاعر فضولية تراقب ولاتعرف سبب لفت انتباهها الى تلك الفتاة الفرنسية  التى كانت تشبهها الى حد كبير ، لقد شاهدت شخص اخر يحمل روحها من عالم اخر وبشغف مختلف . ومن ثم تأتي اللحظة الأخيرة من لحظات الحياة مشهد ميلودراما يختزل معنى الحياة ، تنبعث موسيقى حزينة يجملها صوت فيرونيكا الأخاذ تقف على المسرح امام جمهور غفير بفستانها الأسود الانيق ، وتسريحة شعرها الانثوية ، وحمرة شفايفها الفاقعة تغني تهويدة الموت كل شيء في تلك اللحظة  يصور جانب فردوسي من جوانب الحياة تسقط فيرونيكا ميتة على مسرح الموسيقى الذي وجدت أنه أشبه ب مسرح الحياة يقف الجمهور ينظر إلى تلك الجثة الهامدة بصمت مقفر، مشهد مترابط يصور مراسم دفن فيرونيكا إلى مثواها الأخير ، ومن ثم يطير الحزن كرماد متطاير  من مدينة أوسلو إلى مدينة باريس كي يتسرب إلى قلب شبيهتها   كما يتسرب الحبر في الماء ، هنالك في غرفة شبه مظلمة تستيقظ شبيهتها بروح حزينة تشعر انها وحيدة الى الابد.

رابط موسيقى الفيلم 

https://soundcloud.app.goo.gl/fk8YyNNzswY9RgSk9

 فردوس الوحيدين !Paraíso de los solitarios

‏” لا تنفق المال على العلاج أنفقه في متجر تسجيلات”

وأنت تعبر الازقة والشوارع الرئيسية في المدن الكبرى كـ نيويورك ، وبرلين ،و طوكيو… ستشاهد العديد من متاجر بيع الاسطوانات الموسيقية المتراصة بجانب محلات بيع البقالة ، أو الحلاق ، أو المقاهي كصورة مكتملة للمُدن المدنية المشاكسة أو كجزء حضاري جذاب لمحبي الموسيقى ، فمثل تلك المتاجر الخاصة ليست غريبة على مجتمعات  تعد الموسيقى جزءً هاماً من تاريخها الثقافي الذي يعكس أذواق مرتاديها من مختلف الأعمار و المهووسين في معظم الأحيان. لكن الجميل في الأمر أن معظم تلك المتاجر في العديد من الدول الأوربية ، والأمريكية متاحة على مدار الساعة  تحت شعار ” الموسيقى للجميع ”  أنها الصيدليات الخاصة لعشاق الموسيقى ، والمكان الأمثل للغارقين في شغف اقتناء موسيقاهم و أغنياتهم المفضلة من خلال الـ  vinyl  ذلك الجسم  الدائري الصلب الذي يلمسه محبي الموسيقى بالكثير من الحذر والحنان حتى لايخدشوا قوة صوته.

فعند مرورك العابر أو الفضولي  بجانب أحدى تلك المتاجر المتناثرة ستشاهد العديد من البشر من مختلف الأعمار يقفون بتأمل مبهر أمام العشرات من أرفف الاسطوانات يضعون سماعات الرأس بإجلال وانسجام للاستماع إلى موسيقاهم المفضلة ، تبدو صورة أصيلة ، ومدهشة تعكس وفاء البشر تجاه الاشياء القديمة فبرغم من حدوث ثورة تقنية في عالم التكنولوجيا من خلال الحصول على أي نوع من الموسيقى في غضون دقائق مازال هناك الالف من البشر يرتادون تلك المتاجر بحب كبير يرتحلون ، يساومون الباعة  ، يتحدثون بشغف عن تاريخ وتفاصيل الموسيقى المختلفة تبدو تلك المتاجر كمتحف حي لكل أنواع الموسيقى متجر واحد يصدح منه موسيقى مختلفة ما بين  موسيقى بيتهوفن ، وموزارت  موسيقى الثورة والكفاح الجاز ، والسول ، والبلوز ، وحتى موسيقى البوب الكوري، و الروك الصاخب ستجد هما في أبهى صور الالتقاء

فردوس الوحيدين

 قبل عدة شهور عثرت على مقالة صحفية في إحدى الصحف الكولومبية بعنوان ” الوحيدين في المدن ” طرحت المقالة صور عدة إلتقطها الكاتب من خلال جولة فضولية في أروقة المتاحف ، والمكتبات ، ومتاجر بيع الاسطوانات الموسيقية يقول الكاتب ” خلف تلك الجدران المزينة باللوحات ، و رفوف الكتب المتراصة ، و متاجر بيع الاسطوانات الموسيقية خلف شوارع المدن ستجد أشخاصاً وحيدين سعداء متأملين هم ليسوا وحيدين بل هاربين منعزلين لفترة قصيرة ومن ثم سيعودون إلى حياتهم الصاخبة.” فلا يمكن للمرء أن يذهب إلى مثلك تلك الاماكن الرائعة برفقة أصدقاء مزعجين أو صديقة  غاضبة على الدوام أن مثل تلك الأماكن يجب أن يُطلق عليها ”  Paraíso de los solitarios ” فردوس الوحيدين الذين يؤمنون بأن الوحدة طقس مثالي للقيام بزيارة إلى إحدى متاجر بيع الاسطوانات الموسيقية المستعملة أو العصرية كلياً في مدينة طوكيو مثلاً لماذا طوكيو ؟! لانها تعتبر الوجهة الأولى لمحبي اقتناء الاسطوانات الموسيقية النادرة ، حيث تنتشر في أزقة مدينة  طوكيو مئات المتاجر الملونة منذ الخمسينات وبأسعار مناسبة ، أما في شوارعها الفارهة فهناك متاجر،ومقاهي لامعة يستطيع محبي الموسيقى احتساء القهوة والاستماع للعديد من الاسطوانات الموسيقية بحسب اختيارهم تعد هذا النوع من المتاجر ـ او المقاهي ثورة جديدة اجتاحت شوارع لوس انجلوس ، ونيويورك منذ نهاية التسعينات يقوم محبي الموسيقى بزيارتها مبكراً قبل ذهابهم إلى أعمالهم لاحتساء القهوة برفقة اختيار اسطوانة موسيقاهم المفضلة من الرفوف المخصصة ، ومن ثم اقتنائها أو وضعها في رف المفضلات في حال حازت على إعجاب الزوار الآخرين.

حانة ميترونوم  ” قبلة عشاق موسيقى الجاز ”  

تصدح من حانة ” ميترونوم ” في مدينة  كولونيا الألمانية  موسيقى الجاز الحديثة ،و الكلاسيكية  وهناك في مكان آخر حانة ” قونجا ” في مدينة سيول الكورية تعد المكان الأمثل لمحبي موسيقى الجاز بطابعها الأصيل التقليدي حيث تمثل قائمة موسيقى الجاز منذ الأربعينات جزء لا يتجزأ من قائمة الزبائن بجانب تقديم قائمة الطعام.

يكسو حانة ميترونوم  جو من الشغف والولع بالاسطوانات الموسيقية  من خلال  جدرانها  المزينة بالاسطوانات القديمة |، وصور أشهر عازفي الجاز. خلف الحانة توجد خزانة كبيرة مليئة باسطوانات موسيقى الجاز، مرتبة حسب أهم الآلات الموسيقية وليس حسب أسماء الفنانين.

يقول مدير الحانة إن الخزانة تحتوي على ما لا يقل عن 2000 إسطوانة، وهناك بعض الاسطوانات المخزنة في المطبخ ولا يعرف مايك عدد الأسطوانات التي بمنزله، فهذه الأشياء لا يمكن عدها، كما يقول، ولكنه يعرف بالضبط عدد أقراص السي دي الموجودة بمنزله” فقط اثنين”، أهداه إياهما أناس نيتهم حسنة، لا يعرفون أنه لا يمتلك جهاز تشغيل السي دي ومثل هذه الأقراص لا يسمح لها، كما يقول، بالدخول إلى بيته ” لأن الأقراص المدمجة عديمة الروح”

عالم المهووسين المرموق

تاريخ البدء :

في آواخر القرن التاسع عشر، بعد أقل من مرور عقدين على اختراع توماس إديسون  للجرامافون في عام 1877 بدأ الأثرياء العرب والمصريين على وجه التحديد التهافت على سوق  التجار القادمين من أمريكا وانجلترا رغبتاُ  في اقتناء تلك الالة العجيبة التي يكتمل عملها الفني العظيم بعد وضع أسطوانة دائرية تصنع من الشمع آنذاك، في بداية الأمر شكلت تلك الاسطوانات ثورة عالمية في عالم الفن والموسيقى عالم من التباهي ، واقامة السهرات الليلية الحالمة على أنغام صوت أم كلثوم ، وفريد الأطرش ، وليالي الأنس في فيينا وأنحاء مصر والشام ، والعراق لم يتوقف الأمر وبات محبي تلك الاسطوانات يتكاثرون ، يمتلك البعض منهم نسخ مختلفة لذات الألبوم أو لذات الموسيقى بأغلفة وإصدارات مختلفة أنه الهوس ياسادة ! الوضع أشبه باقتناء  قطع فنية ، أو لوحات متعددة من كل حضارة ، وبلد هذا النوع من الهوس كان سبباً كافياً للابحار في عالم مليء بالغرائب المدهشة.  

 عندما قررت الكتابة عن عالم الاسطوانات الموسيقية  لم يكن مجرد فضول بل لانني أجد أي شيء متطرف في عالم الموسيقى يستحق  التأمل ، والكتابة فبرغم من هيمنة المتاجر الالكترونية في بيع كل شيء مازال هناك  نوع خاص من الناس وهم عشاق اقتناء أسطوانات الفينيل الموسيقية ، يفضلون السفر والتجول في المتاجر ، والأسواق القديمة المتخصصة لم يغريهم ما تفعله امازون وغيرها من نقاط البيع الالكترونية من عروض شهرية لبيع عدة  أسطوانات موسيقية بسعر مغري جداً ، أنهم يتجاهلونها ويمضون قدماً نحو متعتهم  الخاصة ليس في رغبة الاقتناء وحسب ، بل الحوار مع الباعة المخضرمين في عالم بيع الاسطوانات ، قد يحصل أولئك المهوسين على اسطوانة اصلية تخص فنانهم المفضل او اسطوانة تحمل توقيعاً مبجلاً كل تلك التكهنات تدفعهم للركض بين الامكنة ، وقضاء يوم ممتع في الاستماع لعدد كبير من الاسطوانات والعثور على أفضل الأسعار ، والجودة يقول أحدهم

 ” ان اقتناء اسطوانة جديدة ذات طابع كلاسيكي تحمل صورة فناني المفضل تعد أفضل هدية أقدمها لنفسي أثناء السفر”

 لا أعرف صفة محددة يمكن أن نصنف بها أولئك المهووسين بجمع اكبر عدد من الاسطوانات الموسيقية هل هو العشق ، أم  رغبة في التباهي والتميز بشيء يشبههم فهم  ليسوا أشخاص  فارغين أو تافهون بل ناجحين جداً و منهمكين في روتين أيامهم  بشكل متزن لكنهم يجدون هذا النوع من الشغف كنوع من جنونهم الخاص الذي يفتخرون به على الدوام من خلال استعراض مكتباتهم الموسيقية بأشكال وديكورات مختلفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

لقد وقعت تحت تأثير الدهشة والسحر أثناء رحلة التنقيب والبحث  فوجدت صفحات تعرض صور ومعلومات عن أشخاص  قاموا بتخصيص سقيفة بيوتهم ، او قاموا بتصميم مكتبات موسيقية ذات مساحات  شاسعة مجهزة برفوف خشبية ، أو معدنية قادرة على تحمل أعداد هائلة من الاسطوانات القديمة واستقبال ضيوف جدد بعد جولة من الرحلات حول العالم ، وأنا أشاهد الصور ، والمقالات  شعرت وكأنه عمل فطري مقدس تجاه ولعهم الخاص والمجنون رأيت عدد من الأسواق العصرية والشعبية  حول العالم المليئة بالتصنيفات والاذواق ، والتسعيرات  قلت لنفسي اوه حسنًا أنها أسواق المفعمين بالشغف فلا يعرف الكثير من الاشخاص العاديين ماذا يعني أن تجوب العالم بحثاً عن اسطواناتك الموسيقية المفضلة  في أكثر المتاجر تميزاً وأقلها تكلفة. 

 لامكان لمبدأ التقليلية في عالم الاسطوانات الموسيقية  

يعيش الموزع الموسيقى الالماني مارك جوان منذ سنوات على مبدأ الـ  التقليلية  من خلال اقتناء الملابس ، والأثاث وحتى استهلاك الطعم  يعيش في شقته الصغيرة في وسط العاصمة برلين تبدو شقة جميلة ذات أثاث خشبي عصري وبسيط جداً يمكن لاي زائر أن يعد عدد اثاثه المحدود ، لكن هذا المبدأ يتوقف عند شغف اقتناء اسطوانات جديدة  أنه يعيش في بيت شبه خالي من الاثاث ومن الكماليات التي يتهافت  البشر عادةً  على شرائها  لكن منزل مارك يعد منزلاً متواضعاً ماعد السقيفة المجهزة باجهزة صوتية باهظة الثمن متعددة الوظائف وعدد من مشغلات الاسطوانات الموسيقية التي يحتفي بالاحتفاظ والتباهي بها اضافة لرفوف متراصة تضم أكثر من ٢٠٠٠ اسطوانة موسيقية . 

مجموعات الأسطوانات المجنونة

 غادر المصور إيلون لندن في عام 2008 ليجرب حظه في نيويورك. لقد كان أسوأ وقت لتجربة حظه كانت بداية الركود ، لم يكن هناك وظائف يمكن العثور عليها ، لذلك وجد نفسه في متاجر التسجيلات أنفق أمواله على شراء اسطوانات موسيقية  ولا شيء آخر يقول ” كل هذا الوقت الذي يقضيه في التسجيلات أعطاه  فكرة القيام بمشروع عن الأشخاص الذين يجمعونها حول العالم  بعد لقاء جامع التسجيلات الإفريقية والدي جي فرانك جوسنر في بروكلين ، تعرّف على جامعين آخرين في جميع أنحاء المدينة وبدأ في نشر صور وقصص عنهم على مدونته ، Dust and Grooves.  “أعتقد أنه من الرائع تصوير هواة جمع التسجيلات.” أنا نفسي جامع ”  قام بالذهاب إلى إيطاليا لتصوير  بيت الإيطالي  أليساندرو بينيديتي  الذي يحمل ، الرقم القياسي العالمي في موسوعة غينيس لأكبر مجموعة من تسجيلات الفينيل الملونة. بمرور الوقت ، توسع نصف قطر مشروع باز خارج نيويورك ليشمل الدول المجاورة ، وفي بعض الأحيان كان يقوم بالتوقف في أجزاء من أوروبا فقط حتى يتمكن من تصوير جامعي الاسطوانات هناك ومن ثم قام  بنشر كتابًا بعنوان Dust & Grooves: Adventures in Record Collecting ، والذي يسلط الضوء على أكثر من 130 جامعًا قابلهم حتى الآن.

يقوم باز دائمًا بزيارة هواة الجمع من تلقاء نفسه ، ولا يستخدم إضاءة إضافية.  “أنا فقط والكاميرا وهذا كل شيء.  إنه مثل صديقين يتسكعان وهما يستمعان إلى التسجيلات ثم ألتقط بعض الصور.  إنه يبني لحظة حميمة للغاية بينه وبين موضوعاته.  عندما يتحدثون عن الموسيقى يفقدون كل موانهعم “إنهم يستمتعون بها حقًا”.

أصدقاء الشغف

 اعتدت  منذ سنوات طويلة على القفز بين المألوف والا مألوف  استمع لعباقرة الغناء العربي ، ومن ثم الاستعانة بخيالي للذهاب إلى  حانات نيويورك  القديمة للاستماع لموسيقى كارلتون ، وارمسنتغ  ، ومن ثم السفر عبر القارة اللاتينية والرقص على نغمات موسيقى السون ،  السالسا ، والبوسا نوفا البرازيلية ، ولا انسى حالة الوقوع في عشق موسيقى الفلامنكو النابعة من قلب باكو دي لوكا  فحينما ينصهر البشر في شغفهم تبدأ رحلة البحث عن اصغر التفاصيل لقد أثار المهووسين شهيتي في اقتناء اسطوانات موسيقى العازفين المفضلين أصبحت حقاً أود الحصول على أسطوانة موسيقية لـ  John Coltrane بدلاً من المسكنات . ولحسن الحظ بأنه لدي أصدقاء يحسنون تذكر أحاديثي المتواصلة تجاه عالم الموسيقى لذا قامت صديقتي سارة التي تعيش في مدينة مونتريال بمشاركتي  صور للعديد من متاجر بيع الاسطوانات الموسيقية المستعملة تقول  ” أن مشاهدة هذا النوع من المتاجر يذكرني بك أعتقد أنك سوف تصبحين جارة مميزه لمتجر  Sound Central Record Store ،  الذي يقع بجانب بيتي فهو ليس مجرد متجر تسجيلات مستعملة مثالي للغاية بل يقوم أيضاً ببيع الاقراص المدمجة المستعملة. و مجموعة مختارة من الكتب والمجلات وأقراص DVD والألعاب القابلة للتحصيل ، بالإضافة إلى تقديم القهوة. اثناء فترة الصباح وفي المساء يجب أن أن لا تفوتي فرصة تتغير اضاءة المتجر كي تتناسب مع الجو الموسيقى الساحر انتظر زيارتك كي نحتسي القهوة على أنغام موسيقى الجاز أو الفلامنكو التي تحبينها”

فريدا كاهلوا و خوان غابرييل  في سماء عزلتي !

يقال أن الكون شاسع بما يكفي كي لا تتقاطع مسارات الأشياء مع بعضها ، كي لا يلتقي شخصان يحملان ذات الشقاء في نفس المكان أو الزمان هذا ما نعتقده على الدوام ، وكل ما يحدث عكس ذلك سنحيله للصدف تلك الشماعة التي نحسن التعبير عنها بشكل جيد لكن ما حدث في عزلتي ليس مصادفة بل نوع من ارتباط الاشياء ، أو دعونا نقول نوع من المشاعر الانسانية المترابطة ربما لنفس الظروف هذا أقصى عذر حصلت عليه أفكاري من تحليل الموقف لاحقاً!

قبل عدة أسابيع ذهبت إلى المكتبة بهدف اقتناء كتب عشوائية وبعد جولة قصيرة بين الرفوف الضخمة داهمتني رغبة عميقة بضرورة اقتناء كتاب للكاتبة الامريكية هايدن هيريرا  يحكي سيرة حياة  الرسامة العظيمة وايقونة المكسيك فريدا كاهلوا فلم تكن مجرد سيرة ذاتية بل عمل متكامل يرسخ قيمة العمل بحب وشغف لقد أغرمت هيريرا بحياة وتاريخ كاهلوا تركت كل شيء وسخرت الكثير من الوقت  للبحث عن أدق تفاصيل فريدا كاهلوا التي كتبت عنها في احدى صفحاتها ” تعلقت فريدا كاهلوا بتربة ، وحضارة المكسيك العريقة حضارة الازتيك والمايا ، لبست الازياء المحلية شال الريبوز وثياب التيهوانا كانت أصابعها تُظهر معرضاً متبدلاً من الخواتم هي بحق إمراه متعددة الوجوه كُتب عليها أن تتعذب طوال سنين حياتها  لكنها ظلت تروي النكات ، والنوادر على سرير المرض” 

كنت أقرأ هذه الصفحة بمتعة ودهشة مطلقة بدت هيريرا في وصف كاهلو وكأنها صديقة الطفولة ، أو أحدى قريباتها  لم تفوت أدق تفاصيل حياتها وعالمها المليء بالقصص ، واللوحات الفنية التي جسدت آلامها لقد جمعت الكاتبة الكثير من رسائل كاهلوا المليئة بالتساؤلات حول شخصيتها  المُتوقةً للحب واللقاءات الحميمية  عشقت فريدا في حياتها  الرسم وحبيبها دييغو ريفيرا كتبت له الرسائل ، المفعمة بالعاطفة الجياشة والتعبيرات التي تحمل الرجاء والاسى، عاشت عذابات الانتظار وقسوة الحياة حتى أصبحت ” فريدا  كاهلوا ” التي مجدها الفنانون من كل بقاع الارض . كانت الصفحات تتوالى و الوقت يمضي نحو معرفة المزيد عن حياة فريدا الصاخبة ، و المفعمة بالأمل والرجاء ، والخيبة ، والحزن ،  والقوة كان كل شيء في تلك اللحظة  مسخراً  للتركيز ، والمتعة إلى أن وصلت  إلى الصفحة رقم مئة في تلك الاثناء قررت التوقف عن القراءة والبحث عن موسيقى ، أو أغنية داخل مساحتي المقدسة فلا يمكنني العيش بانتظام مع الأشياء لا يمكنني الوفاء لكتاب واحد لعدة ساعات أو أسابيع كل ما عرفه بأنني أعيش بروح جائعة على الدوام أقفز من حياة كاتب ، إلى رواية مترجمة ، وحينما تعبر مخيلتي الموسيقى أتجاهل كل شيء واركض إليها ، وهذا ما حدث ركضت إلى المجهول ابحث عن حياة أخرى في أغنية  ، في العادة يستغرق البحث عن أغنية أ وموسيقى بعض من الوقت فأنا أسخر وقتي لمعرفة تفاصيل المغني ، ومسقط رأسه وحكاية تلك الاغنية في حال وقعت في غرامها ! لكن ما حدث لم يكن مجرد مصادفة بل اتحاد الارواح في رحاب عزلتي 

– لقاء فريدا وخوان في فضاء عزلتي 

لا أعرف ما الذي دفعني للبحث عن أهم موسيقى  الفلكلور المكسيكي لابد أنها روح فريدا المحبة للفن كانت تطوف في سماء عزلتي وتحثني على سماع روعة  موسيقى المارياتشي الفلكلورية ، وأغنيات Vicente fernadez  العميقة والجياشة حتى أخذتني إيقاعات الموسيقى المختلفة للعثور على المغني المكسيكي خوان غابرييل  ذو الصوت الحنون لم أكن اعرفه مسبقاً  لكن صوته كان  ينزف حزناً بكلمات  أغنية  Hasta Que te conoci –  “حينما التقيت بك ”  لم تكن أغنية عادية بل قصة ألم تشبه حياة  فريدا تقول كلماتها 

” لم أعرف ما معنى الحزن 

لم أكن أعرف ما تعنيه الدموع 

كنت أعرف فقط عن المودة والحنان لانه منذ كُنت صغيراً هذه ما علمتني اياه أمي 

لم أعان قط

لم أبكي قط 

كنت سعيداً جداً حتى التقيت بك بدأت أرى الحياة من الألم “

بعد الاستماع لتلك الاغنية أُصبت بنوع من الحزن والاسى وكأنني أواسي بها فريدا في ليالي وحدتها ، ومرضها  لا أعرف لما عثرت على تلك الأغنية في أوج تأثري بحياتها وحبها البائس لم تكن مصادفة بل تضامن روحي منذ ذلك الحين ورغم فروقات الزمن بين  المغني خوان غارسيا ، وفريدا إلا أن الحياة جمعتهما في عزلتي  جمعتهما على ذات الوتيرة من الالم وأصبحوا في ذاكرتي أبناء المكسيك الاوفياء لبعضهم حتى بعد الموت.

موسيقى السالسا رقصة الحواس !

Music of Latin America

الرقص على نغمات موسيقى السالسا يشبه الاستمتاع بأكل صلصة التوابل الحارة ، أو صلصة الهالابينو الحاذقة بجانب وجبتك المفضلة تجعلك منغمساً مستلذاً  بلحظات الاستماع لموسيقى متنوعة التضاريس والنكهات  لذلك سميت سالسا كمصطلح تسويقي أو للدلالة على الإثارة من خلال طعم السالسا الحارة !  لقد صنعت أمريكا اللاتنية مجدها الخاص من خلال علاماتها الفارقة في عالم الموسيقى فعند ممارسة رقصة السالسا  المفعمة بالفرح والانوثة ،  أشعر  بالسيطرة الكاملة على جسدي ومزاجي لعدة ساعات  عند ممارسة رقصة  السالسا ستكون منبهراً بنفسك تجاه خفة خطواتك ، وتموج يداك  مع الهواء لذلك اجدها رقصة الحياة ، والدفاع عن النفس تجاه الاحباطات والحزن جرب أن تستمتع لموسيقى السالسا سترقص رغم جهلك بالخطوات الصحيحة للرقص ستشعر أنك ملك اللحظة كما فعلت حال البدء في كتابة هذه التدوينة قمت بتشغيل أحد أشهر موسيقى السالسا الكولومبية حتى شعرت بتدفق الكلمات على نغماتها وتشكلت حالة من التناغم  بين الكلمات  ، وروعة نغماتها المتنوعة بين موسيقى الجاز ، والطبول الافريقية الشعبية.

 تعد رقصة السالسا إحدى السبل السهلة لبلوغ حالة الحرية والنسيان تستطيع  في ساعة من يوم تراكمت فيه  الأعمال الروتينية المملة  والمشكلات المعقدة، أن تظفر بحالة من المتعة التي يلزمها فقط مساحة متوسطة ، والبحث على برامج الموسيقى المتنوعة عن موسيقى السالسا الكوبية أو الكولومبية  التي تعد من اجود انواع موسيقى السالسا التي  ستشعر من خلالها  بالخفة والطيران والانتماء لشعوب  الرقص ، والقهوة ، والسيجارالكوبي الفاخر.   

cafe cubano 

لقد اخترع شعب أمريكا الجنوبية كل الأدوات اللازمة  للمتعة  فلا يمكن أن تخلو شوارع كولومبيا ، كوبا ، الاورغواي ، كوبا من مقومات السعادة  من الموسيقى ، والرقص ، والقهوة  فمع نمو إنتاج القهوة  في كوبا ، أصبح المشروب جزءًا من الهوية الوطنية ؛  فليس من المستغرب أن حتى أولئك الذين لم يزروا كوبا من قبل ربما سمعوا مرة أو مرتين على الأقل عن مقهى كوبانو.  لكن بالطبع ، هناك ما هو أكثر في ثقافة القهوة الكوبية من مجرد مشروب واحد انه مقهى كوبانو مزيج من الذاكرة التاريخية للبلاد ومكان للمتعة والحديث والرقص 

 يقول كونر غوري ، كاتب ومؤسس مكتبة هافانا كوبا ليبرو: “لكل منزل منزل” ، “حتى أكثر الناس تواضعًا في كوبا  يقدمون فنجانًا من القهوة للزوار ومقطوعات من موسيقى السالسا  – بغض النظر عما إذا كان هذا هو الجزء الأخير من أرضهم وهم لا يعرفون  متى وأين سيحصلون على المزيد ” حيث تعد موسيقى السالسا  الابن الكوبي في المقام الأول ، وهو مزيج من الإسباني والغيتار والإيقاع الأفرو-الكوبي ، اندمج مع أنماط الموسيقى في أمريكا الشمالية  لكن المستغرب أنها ولدت للمرة الاولى   في مدينة نيويورك خلال الستينيات بسبب  نتاج مختلف الأنواع الموسيقية بما في ذلك الابن الكوبي مونتونو ، غواراشا ، تشا تشا تشا ، مامبو ،  حيث كانت فرق السالسا الأولى في الغالب الكوبيين والبورتوريكيين الذين انتقلوا إلى نيويورك منذ 1920. حتى انتشرت موسيقى السالسا في نهاية المطاف في جميع أنحاء كولومبيا وبقية الأمريكتين. 

موسيقى السالسا تضع بورتوريكو على خريطة العالم  

في أمريكا اللاتينية هناك العديد من الجزر أو الدول المغمورة غير ذائعة الصيت بالنسبة للعالم لكن الموسيقى الفلكلوية  تُعيد إحياء تاريخ بلادها  مثلما فعلت موسيقى السالسا حينما عرفت العالم  بجزيرة  بورتوريكور المستقلة بذاتها الواقعة بالقرب من جمهورية الدومينيك والتي يعتبرها الكثير جوهرة الكاريبي كل تلك المقومات الساحرة لم تقدمها للعالم سواء من خلال أسطورة موسيقى السالسا Jose Luis Feliciano Vega المولود في عام -2014-1935 لقد استطاع ( تيشو ) كما يلقبه أبناء بلده اظهار مسقط رأسه للعالم من خلال ل موسيقى السالسا حتى أصبح هناك مهرجان للموسيقي اللاتنية ، والعالمية يُقام كل عام في قلب العاصمة  سان خوسيه رحل تيشو وترك أرشيفاً حافلاً من موسيقى وأغنيات  السالسا  سيذكره العالم من خلال موسيقاه  الاصيلة ، والعصرية التي نشعر من خلاها بالانتماء الكامل للثقافة الكاريبة المفعمة بالحب ، والنضال ، والفرح لقد فقد ابناء بورتوريكو ابنهم الاحب و  سفيرهم الوفي لجزيرتهم المنعزلة خلف المحيطات الزرقاء الاخاذة لكنهم سيعيشون بقية حياتهم مستمتعين بموسيقى تيشو الساحرة والحاضرة في ذاكرتهم إلى الابد.

مالذي تخفيه في الـ Bookmarks خاصتك ؟!

قبل عدة شهور قمت بطرح سؤال عبر صفحتي الخاصة في تويتر ما الذي نخفيه في إشارتنا المرجعية؟! ذلك الصندوق السري الذي يمنحنا نوعاً من الحرية في الاحتفاظ بكل مالذ وطاب من موائد تويتر المتنوعة والمتجددة ما بين الموسيقى ،و الكتب التي نرغب في شراءها قريباً  التوصيات السينمائية  المناسبة لعطلة نهاية الأسبوع  ،المقالات الادبية الساحرة التي يلزمها طقوس خاصة للقراءة ومشاركة الاصدقاء  وصفات الفطائر والحلويات اللذيذة ، عناوِين المطاعم والمقاهي الجديدة  ،  والكثير من الاشياء المثيرة للاهتمام  فهذا الصندوق  ليس مجرد اضافة الالكترونية  نعود لها متى شئنا بل مستودع ضخم  تتكدس فيه ذاقتنا الخاصة تجاه كل شيء حتى أصبح نوعاً من ” الاكتناز القهري ” الذي  نعرفَ ماهيته مسبقاً بالاحتفاظ بالأشياء القديمة والجديدة وربما عديمة الفائدة  فلو لاحظنا سلوكنا المعتاد في التعامل مع إشارتنا المرجعية نلاحظ أننا على الأغلب لا نقوم بإزالة المقال بعد الانتهاء من قراءته ولا نقوم بحذف صور الأفلام والمسلسلات التي احتفظنا بها حتى بعد الانتهاء من مشاهدتها ما نفعله فقط هو تكديس كل ما يعجبنا  مادام متاحاً بطريقة سهلة ومرنة.

بالعودة إلى إجابات الاصدقاء حول مقتنياتهم الشخصية  داخل صناديقهم المرجعية توالت  الإجابات بشكلها التقليدي والمتوقع إلى أن وجدتُ ضالتي في جواب أحدهم و هو ما شكل لي نوعاً من  الدهشة ، التساؤلات التي سأطرحها لاحقاً كان الجواب بذات الصيغة ” في الاشارات المرجعية احتفظ بكل الاشياء فائقة الجمال التي لا أرغب في أن يراها الكثير واتمنى أن تقف عندي ! ” كان جواباً يحتمل معاني كثيرة فهي لم تذكر ما الذي تحتفظ به في ذلك الصندوق السحري ماهي تلك الصور أو التوصيات التي يرغب المرء أن تظل مغمورة لا يعرفها سوى عدد ضئيل من الناس فلو كانت إجابتها تقليدية لما دفعني الفضول  للذهاب  إلى محادثتها على الرسائل الخاصة و معرفة ماهية اهتماماتها لم تتردد في مشاركتي جزء من عالمها الخاص ، الذي تكتنز فيها وصفات سرية لطرق عجن بعض المخبوزات الايطالية ، وطرق ترتيب الموائد والتنسيقات على طريقة الاحتفالات والموائد الأجنبية ، توصيات كتب من الأدب الإنجليزي  قال لي بأن هذه المعلومات تعد شيء ثميناً بالنسبة  الثمينة بالنسبة  كونها بذلت جهد للعثور على أصحاب تلك الحسابات  الاجنبية يسكنون خلف المحيطات وليس  لهم صلة بمجتمعها المتشابك على صفحتها الخاصة ، حتى انها اخبرتني انها لا تقوم بإعادة التغريدة أو التفضيل حتى لا يشاركها الفضوليين معرفة أسرارها الخاصة في تنسيق بيتها أو وعجن مخبوزات اللذيذة  والمبهرة  للعائلة والأصدقاء أخبرتني أيضاً  بسرها الصغير أنها ليست شخصية  انانية ، لكن مجتمعها على تويتر لايرحب بمثل تلك الاهتمامات التي ستبدو لهم غريبة أن اطلقت العنان لنفسها في التفاعل معها ! انتهت المحادثة بكثير من اللطف وضليت أفكر في معنى أن تصبح اشارتنا المرجعية عالمنا الخاص والسري جداً ، كيف لمثل ذلك الصندوق المخفي والبعيد عن العيون المتطفلة والساخرة أن تخلق منا شخصيتين مختلفة تماماً في العلن  ننشر أشياءنا التي تشبهنا بكل صدر رحب و نحتفظ بالكثير  من الآراء والمقالات والصور التي قد لاتتناسب مع رقعة جغرافية محددة !أن هذا الصندوق يعبر عنا بطريقة فعالة ومبهرة ، و قد يصبح يوماً ما مرجع متكامل في شتى مجالات الحياة أو  ،ملاذنا الأكثر متعة في أيامنا المملة والمتشابهة فحتماً سنجد أشياء متنوعة ومدهشة.

أخبرني ماذا تخبي في اشارتك المرجعية أقول لك من أنت هذا شعاري الدائم في خوض أحاديث مشوقة مع أصدقاء العالم الافتراضي  أطرح عليهم مثل تلك الاسئلة وفي الغالب أجد سيلاً من المشاركات الشيقة التي أظنهم يستغرقون وقتاً للبحث عن مايشبهني وحسب لكنني لطالما أردت معرفة أعمق من ذلك.

قبل كتابة هذه التدوينة قررت أن اتحلى بشيء من الشجاعة و أشارككم بعض مما احتفظ به في ذلك الصندوق

( وصفات طبخ متنوعة)

منذ سنوات طويلة لم افكر يوماً بتجربة الطبخ بشكلاً حقيقي لطالما اعتمدت على امي في في مثل هذه الأمور لكنني منذ فترة بسيط قررت تجربة  تعلم طبخ وجبات متنوعة لذا ستجدون في اشاراتي المرجعية العديد من الوصفات المتنوعة التي ارغب بتنفيذها في الأيام القادمة

–   روابط لموسيقى الجاز الكلاسيكية التي أرغب يوما ما في الاطلاع بتركيز كبير عن محتوى تلك الحسابات القيمة في عالم الموسيقى

–   عدد كبير من التدوينات الرائعة التي أرغب بقرائتها في أوقات الفارغ

–   حسابات لبيع الساعات والأجندة الغريبة المستودرة

–  صور لبعض المنحوتات والرسومات الفاضحة كوني أؤمن بتفرع الفن وأرغب في تأمل جموح الانسان في صناعة مثل هذا النوع من الجمال

–   توصيات افلام كلاسيكية ومعاصرة أود مشاهدتها يوما ما في مكان في مخيلتي ربما في اعلى جبال الالب أو في بيت ريفي جميل  وسط غابة ثلجية

– رياكشنات مضحكة قادرة على احداث نوعاً من المرح بدلاً من استخدام الضحكات التقليدية.

الطقس الاعظم !

Memory Music

الطقس الاعظم !

Memory Music

نعيش تحت رحمة  وتيرة الأيام المتشابهة …كل ما نفعله هو الانتظار انتظار حدث يحرك هذا الكيان المتجمد في صومعة أفكارنا تجاه الحياة ، والأحلام والشغف وكل الاشياء التي لم تتشكل بشكل ملموس يستحق المقاومة ! ولحسن الحظ لكل منا طريقته الخاصة في ممارسة لعبة  الاستمرارية… هناك من يمارسها معتنقاً الامل والسكون الممل ، وآخرون يمارسون ألعابهم من خلال احداث ضجيج مليء بالحياة كممارسة هوايتهم المفضلة دون كلل أو ملل ، وأخرون يفضلون المكوث دون أن يلاحظهم أحد! أما أنا فلا شيء غير الموسيقى قادر على ذلك  أنها الوسيلة والحاجة للعيش خارج إطار الواقع المليئ بالتساؤلات والأوهام  كما قال آني برولكس ”  أحدُ مآسي الحياة الحقيقيّة، هي أنّه لا توجد موسيقى خلفيّةً لها ” لكني جعلتها طوال الأيام الماضية والراهنة خلفية دائمة بلا توقف في مشاعر الفرح أرقص على نغمات الموسيقى اللاتينية ، وفي الحزن استمع لموسيقى الجاز أنه علاج فعال لتحسين المزاج يستعجل الأغلب في ابتلاعه دفعتناً واحدة ! تتنوع النغمات في أرجاء غرفتي يوم بعد يوم حتى بت  أشعر من خلالها بالصداقة والجمال  ،  و الفضل يعود  طبعاً للسيدة عزلة الطقس الأعظم لخلق الابداع المتواصل في عالم الكثير من الأدباء والموسيقيين ،  الذين حملوا هم أجيال يعيشون العزلة  ، و البؤس  حتى صنعوا  لنا سعادة مجانية فاخرة.

لقد كانت السيدة عزلة سبباً كافياً كي أذهب إلى موانئ الفن من ثقافات مختلفة عبرت على متنها بحور موسيقى الـ Jazz, flamenco, gypsy, country حتى عثرت على أكثر أنواع الموسيقى جمالاً في العالم ، فلو كانت الحياة  تحت تصرف رفاهة عقولنا الحالمة  لما سخرت كل ذلك الوقت للعثور على قوائم الموسيقى المتنوعة فعلت ذلك بكل بساطة لان ” الموسيقى تجعلنا تعساء بشكل افضل “

 عالم من الإدمان المباح !

حينما تدخل إلى عالم الموسيقى لن تترك تمضي..!ستصبح في حالة من الادمان و الفضول و الشغف لن يكفيك الاستماع وحده ، بل سيأخذك الفضول إلى أبعد من ذلك إلى البحث عن نوع تلك الالة التي جعلتك ذات لحظة تعلو فوق سماء السحر كما فعلت بي الة الفلوت للعازف من أصول كاريبية nostor torres  كنت أعلم  مسبقاً أنها الة فلوت عادية  ذات ثقوب متعددة .. لكن معزوفتة العالمية والاشهر- cafe Cubano جعلتني أظن بأنها  ألة خاصة صنعت في فردوس الموسيقى! لذا عزمت مؤخراًُ على تخليد الكثير من الاغنيات والموسيقى التي رافقتني أيام الماضية  من خلال  تخصيص قوائم موسيقية تًحسن وقع الحياة على أرواحنا .

الموسيقى حيث تكون الذاكرة مستقرة !

هناك من يظن بأن السفر الى اكثر الاماكن جمالاً وروعة ستوفر له الموسيقية ! قد تبدو فكرة جيدا في حال كنت على دراية كاملة عن أكثر الإمكان توافقاً مع ذائقتك الموسيقية ! لكن ماذا عن الشواطئ الهادئة في بداية النهار  أو منتصف الليل؟  ماذا عن صمت الشوارع أثناء عودتك إلى الفندق بعد يوم  حافل؟  ماذا محطات القطار وجلوسك في مقاعد المترو خصوصاً لو كنت ستسافر وحيداً ؟ لابد أن تصنع لنفسك قائمة من الأغنيات والموسيقى المتنوعة التي سترافقك في الشوارع والازقة ، والمتاحف والحدائق والمقاهي الهادئة لابد أن تُصبح الموسيقى الرفيقة المثالية اثناء أوقاتك الساحرة ، قد تنسى الأماكن ، والوجوه العابرة لكن الموسيقى التي ترتبط بالأماكن ، والمطارات ستبقى في ذاكرتك إلى الأبد

 فحينما أصيب المايسترو البريطاني Clive Wearing  بعدوى في الدماغ تركته عاجزا عن تذكر أي شيء، وشخصت حالته بأنها من أقوى حالات فقدان الذاكرة ، بقيت معظم ذاكرته الموسيقية على حالها.

والآن، في الثلاثة والسبعين، ما زال المايسترو قادرا على قراءة النوتات الموسيقية وعزف البيانو بل انه استطاع أن يقود جوقته الغنائية السابقة. ويعتقد الباحثون أنهم الآن قريبون من فهم كيفية الاحتفاظ بالذاكرة الموسيقية حتى بعد فقدان الذاكرة 

موسيقى اللاتيني الفذ nestor torres

( مناسبة جداً للاستماع في شوارع مُدن أمريكا اللاتنية   )

– cafe Cubano

– passion fruit

– Talk to me

– Casey’s Garden

موسيقى العظيم Enyo Morricone

(حتماً ستأخذك الى قلب صقلية سينما باراديس ، روما العظماء لذلك عزمت على تحضير قائمة احتفالية عند السفر والتجوال في شوارع) ايطاليا

Cinema Paradise Music-

– Malena

La vent,me cri

ولاأنسى اغنيات الصوت الايطالي الاصيل الذي كلما اسمتعت لاغنياته تمنيت لو أنني قادرة على تناول الطعام الايطالي في احدى مطاعم روما القديمة  أو عشاء رومنسي فاخر في قلب فنيسيا العائمة على نغمات صوته المميز  

Toto Cutugno